ضياء الدين نصر الله بن محمد ابن الأثير الجزري الموصلي ( ابن الأثير الموصلي )
331
المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر
تسميته بالإرصاد أولى ، وذلك حيث ناسب الاسم مسمّاه ، ولاق به ، وأما التوشيح فإنه نوع آخر من علم البيان ، وسيأتي ذكره بعد هذا النوع ، إن شاء اللّه تعالى . واعلم أنه قد اختلف جماعة من أرباب هذه الصناعة في تسمية أنواع علم البيان ، حتى إنّ أحدهم يضع لنوع واحد منه اسمين ، اعتقادا منه أن ذلك النوع نوعان مختلفان ، وليس الأمر كذلك ، بل هما نوع واحد . فممن غلط في ذلك الغانمي ؛ فإنه ذكر بابا من أبواب علم البيان وسمّاه التّبليغ وقال : هو أن يأتي الشاعر بالمعنى في البيت تاما من غير أن يكون للقافية فيما ذكره صنع ، ثم يأتي بها لحاجة الشعر إليها حتى يتم وزنه ، فيبلغ بذلك الغاية القصوى في الجودة ؛ كقول امرئ القيس « 1 » : كأنّ عيون الوحش حول خبائنا * وأرحلنا الجزع الّذي لم يثقّب « 2 » فإنه أتى بالتشبيه تاما قبل القافية ، ثم لما جاء بها بلغ الأمد الأقصى في المبالغة . ثم إن الغانمي ذكر بعد هذا الباب بابا آخر ، وسماه الإشباع ، فقال : هو أن يأتي الشاعر بالبيت معلق القافية على آخر أجزائه ، ولا يكاد يفعل ذلك إلّا حذّاق الشعراء ، وذاك أن الشاعر إذا كان بارعا جلب بقدرته وذكائه وفطنته إلى البيت وقد
--> ( 1 ) لامرئ القيس قصيدة على هذا الروي أولها : خليليّ مرّا بي على أمّ جندب * لنقضي حاجات الفؤاد المعذّب ومن الرواة من يروي البيت الذي أنشده المؤلف في هذه القصيدة ، ومنهم من يرويه في قصيدة لعلقمة بن عبدة التميمي ، المعروف بعلقمة الفحل ؛ وهي قصيدة على روي كلمة امرئ القيس ، ويتحدث الرواة أن الشاعرين أنشدا قصيدتيهما معا ، وأول كلمة علقمة قوله : ذهبت من الهجران في كلّ مذهب * ولم يك حقّا كلّ هذا التّجنّب وقد روى أبو هلال العسكري هذا البيت منسوبا لامرئ القيس ( الصناعتين : 301 ) ورواه ابن رشيق في العمدة ( 2 - 55 ) منسوبا له أيضا . ( 2 ) الجزع - بفتح الجيم وسكون الزاي - خرز يمان فيه سواد وبياض ، وتشبه به الأعين .